الحمد لله الذي علم الإنسان ما لا يعلم، والصلاة والسلام على رسوله معلم الأمم، إن كان ما أكتبه خيراً فأسأل الله أن ينفع به خلقه، وإن كان غير ذلك فأساله سبحانه أن يهديني للصواب.
وبقدر ما أسعدتني دعوة وزارة الخارجية والتعاوني الدولي للمشاركة بكتابة هذه الكلمة، فإن سعادتي ستكون أكبر إذا استفاد قراء هذا المقال من تجربتي التي سأدون أجزاء مختصرة منها في هذه الصفحة.
وما سأعرضه لكم ما هو إلا خلاصة بسيطة اعتبرها القاعدة الأساسية لما استفدته من تجارب الميدان فيما يخص "التعلم والتدريب" خلال عملي الحكومي وحين تفرغت للأعمال الحرة، واسمحوا لي أن تكون جملي شبيهة بالتوجيه المباشر، فلن يقرأها إلا حبيب أرجو فائدته، كي تتعلم، كي تفهم، كي تستوعب، لكي تتقن ،، ضع طموحاتك المادية جانباً، اخلع عنك رغبتك في الشهرة والفوقية واتركها خلفك، تحرر من كل هذه الطموحات التي تصاحبك دائماً مع هواجسها.
المركز الاجتماعي، وارتباطك الفكري به لا يمكن أن يجلس معك على مقعد العلم، ولا يمكن للعلم أن يجد طريقه إلى عقلك أو يترسخ فيه ما دام هذا العقل تستحوذ عليه شجون وشؤون المركز العالي، فالتجرد من هذه التبعية أول الطريق كي تكون طالب علم حقيقي.
الطموح الطاغي للشهرة، والمال، والمركز بسبب ارتباطها بالمجاملات الاجتماعية والملاحقة الدائمة لأضواء الفرص لن تبقي لك وقتاً تستثمره في التعلم، ولن تبقي مساحة في عقلك للحفظ والتحليل والاستنتاج المنطقي، مهما مررت به من دروس، ومهما مر بك من معلومات خلال يومك.
أفضل أوقاتي في التعلم وتلقي التدريب تلك التي قضيتها بين مجموعات من الأشخاص الأقل مني منصباً، حيث أجد نفسي تلقائياً أنزل عن صهوة "الحياة الهائجة" لهدوء اللحظات، التي تنساب فيها المعلومات في قاعة الدرس، فيثريها النقاش لتتوالد منها معلومات جديدة وأفكار عميقة، ولم تزدني لحظات التعلم والتدريب مع مجموعات أو أفراد ذوي مناصب مساوية لي إلا ضياع للوقت في نقاشات يحاول كل طرف منا فيها إثبات معرفته وعلمه أكثر من الآخر، أو ربما نخرج أحياناً عن الهدف الذي جلسنا من أجله في تلك القاعة فنغادرها بلا جديد يذكر.
تأكد دائماً بأنك مهما وصلت من معرفة وعلم ودرجات علمية، فإنك ستبقى جاهلاً بأغوار الحياة والكون، فمسالك العلم لم يتمكن إنسان قبلك من الإحاطة بها، فلا تصل بك بضع معلومات اكتسبتها إلى الإحساس الكاذب بأنك حزت العلم الذي تحتاجه(وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)، (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ).
وربما يعتقد بعضنا ممن ترك الوظائف العامة أو المهن الفنية، واتجه للأعمال التجارية، بأنه لم يعد بحاجة إلى تلقي أي نوع من العلم أو التدريب، فعمله يعتمد على اقتناص الفرص، والمجاملات، والاتفاقات، واثبات الوجود في الأسواق، إلا أن هؤلاء البعض يفوتهم بأن الفهم الجيد لبيئة الأعمال وتقلباتها يتطلب التعلم، والتعامل معها يتطلب التدريب، ولإتقان القدرة على النجاح في عالم الأعمال، دائما نحتاج للتدريب المستمر، لنواكب السرعة الرهيبة لتحولات هذا العالم.
في هذه الأسطر حاولت أن أقدم لكم قاعدة أساسية، خلاصتها: عند لحظاتك التي تقضيها في سبيل التعلم والتدرب، انسى أي طموح آخر غير الفائدة العلمية والعملية، وحول كل مكتسباتك المادية والمعنوية إلى جسور توصلك إلى موارد العلم، وليس العكس، مقتنعاً دائماً بأنك لا زلت طالب علم، مهما تقدم بك الزمن ومهما علا شأنك.
سعادة سعيد محمد بن مرشد المقبالي
سفير دولة الإمارات في جمهورية القمر المتحدة
وزارة الخارجية والتعاون الدولي

التعليقات (22)
تم إرسال التعليق !
فشل التعليق !
Anonymous
نعم هذه معادله صحيحه وهذا عن تجربة شخصية وذلك عند الرغبه في التعلم يجب ان تبتعد كل كل ما حولك من الملهيات الجانبية. شكرا معالي السفير علي المقال الجميل. حمدان الشكيلي
Anonymous
جميل ان تستمر في التعليم والبحث عن المعرفة والأجمل من صاحب المقال انه لم يبخل علينا من خلاصة خبراته شكرا سعادة سعيد المقبالي. على هذا المقال الرائع
Anonymous
كلمات من ذهب ماشاءالله تستحق القراءة اكثر من مره
Anonymous
بارك الله فيكم والي المزيد من العطاء
Anonymous
ما شاء الله
Anonymous
مقال يحمل رسائل عميقة
Anonymous
مقال موفق تبارك الله،،، أتطلع لمقتل قادم عن كيفية تسخير هذا العلم لخدمة الآخرين
Anonymous
مقال رائع وكل عالم فوقه من هو أعلم منه
Anonymous
كلام جميل سعادة السفير وفعلا واقع نعيشه وكل مانمر بتجربه يتضح لنا اننا نفتقد لبعض المعلومات لتمشي امورنا
Anonymous
مقال إختزل تجربة طويلة وكبيرة في اسطر .. .. دون إطالة مملة أو إختصار مخل .. والنقاط التي ذكرت في المقال نعيش حيثياتها بشكل يومي .. حيث تتطرق الكاتب الى الهواجس المستمرة التي يعاني منها الإنسان .. سلمت يمناك سعادة المستشار ..
Anonymous
مبدع دائما سعادة السفير ، الله يوفقكم لما فيه خير لهذا البلد الحبيب
Anonymous
شكرا سعادة السفير ما ذكرته في مشاركتكم القيمه مبادئ وقيم من تمسك بها وجعلها منهج كان المكسب عظيم والفائده كبيره وهكذا كان الناجحين والمتميزين من القاده وأهل العلم فقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الأثر اذا جلس مع اصحابه وكأنه واحدا منهم من تواضعه وكذا كان مؤسس وباني دولتنا الشيخ زايد رحمه الله علية معلم متواضع وحكيم بين شعبه واخوياه اذا جلس بينهم وكأنه واحدا منهم
Anonymous
احسنت القول والنصح وبارك الله فيك وجزاك الله خيرا.
Anonymous
العلم منارة تطل منها على العالم .. و إستمرارية التعلم هي اشبه بجلوسك في هذه المنارة و تراقب الافق البعيد و المستجدات من حولك .. العلم حياه ما دمت تدنو إليه لترقى .. الصغير سيكبر و الكبير سيهرم و الكرسي لن يدوم و العلم باقي نورثه للأجيال القادمة ليكملوا أخر ما توصلنا إليه .. نتعلم ليسمو الفكر و نعمر هذه الارض و هذه الغايه من خلقنا و مهمتنا على هذا الكوكب ( الجد و العمل اللامحدود ) ...
Anonymous
عندما يكتب شخص بمثل هذه الشخصيه التي طالما استمعنا بماقالاته من خلال تجاربه الشخصيه في كافه المجالات فحتما سنستفيد ونفيد باذن الله من ومن خبراته في كافه الاصعده
Anonymous
دائما مبدع أخي العزيز بومنصور، صراحتك المعهودة بانت واضحة في مقالك الذي تخاطب فيه العقول المتفتحة، أستشعر هَمّ الرسالة التي تحملها ورغبتك في إيصالها إلى غيرك متأسيا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال " من كتم علما علمه الله إياه، ألجمه بلجام من نار"، رغبتك الصادقة واضحة وظاهرة بقدر وضوح كلماتك ورسائلك التي تحملها، سلمت يمينك أيها الأخ العزيز..
Anonymous
اتمنى تثبيت المقال يوجد به خلاصة مفيدة يحتاجها الكثير.. شكرا سعادة السفير
Anonymous
انته رجل تبارك الله مميز في أخلاقك لذلك دائما ترى كل شي جميل وتجربتك هذه محل تقدير واشكرا على ذلك يابومنصور الله يوفقك ويكثر من امثالك ...
Anonymous
كلماتك محفزه وحقيقة تنتج من خلالها كيفية التعلم وسيطرة النفس ابدعت بومنصور
Anonymous
أسأل الله أن يوفقك ويسعدك ويحفظك . آمين
Anonymous
سعادتك درر تلقيها على عقولنا، كلام يكتب بماء الذهب انتم مدرسة ويسعدنا أن نتعلم منكم ونأخذ التوجيه الصحيح لممارسة حياتنا اليومية والسعي إلى الطموح والمركز الاول.
Anonymous
سعادتك ، من أفضل المقالات الملخصة لدروس الحياة والتواضع في العلم والتدريب ( وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ، فالرغبة في العلم هي أساس التعلم والتدرب دون أي اعتبارات أخرى ، جزاك الله خيرا بومنصور وننتظر منك قواعد أساسية من خبراتك المتراكمة