في الثامن عشر من أبريل من كل عام، يحتفل العالم بـ«يوم التراث العالمي» بوصفه مناسبةً عالميةً لتجديد الالتزام بصون التراث الإنساني، وتعزيز الوعي بدوره في بناء المجتمعات وترسيخ الهوية. وفي دولة الإمارات، لا نعتبر التراث مجرد ذاكرة للماضي، بل أولوية وطنية قصوى، وركيزةً أساسيةً في مسيرة التنمية الشاملة، ومنطلقًا استراتيجيًا نحو مستقبل يوازن بين أصالة الحفظ ومتطلبات التجديد.
وانطلاقًا من هذا النهج، حرصت الدولة على بناء شراكات دولية فاعلة، في مقدمتها التعاون مع منظمة اليونسكو. وقد أثمرت هذه الجهود عن تسجيل 21 عنصرًا من عناصر التراث الثقافي غير المادي، شملت الصقارة، والقهوة العربية، والنخلة، وصولاً إلى الإدراجات الأحدث مثل "فن اللآهلة" و"البشت" و"الهريس". واليوم نمضي قُدمًا عبر الخطة الوطنية (2026-2036)، التي تهدف إلى رفع عدد العناصر المسجلة إلى 44 عنصرًا، تعزيزًا لمكانة الإمارات، التي تشغل حاليًا عضوية اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي للفترة (2024-2028).
وفي سياق تعزيز البنية الوطنية لحماية التراث، أطلقت وزارة الثقافة عددًا من المشاريع النوعية التي تشكل إطارًا مؤسسيًا متكاملًا لصون التراث المادي وغير المادي. ويأتي في مقدمة هذه المشاريع السجل الوطني للتراث الثقافي، الذي يمثل قاعدة بيانات شاملة توثق عناصر التراث في مختلف إمارات الدولة، بما يشمل المواقع الأثرية، والمباني التاريخية، والعادات والتقاليد، والحرف، والفنون الشعبية. ويُعد هذا السجل أداةً استراتيجيةً لدعم التخطيط الثقافي، وتوجيه جهود الحماية، وتمكين الباحثين وصنّاع القرار من الوصول إلى معلومات دقيقة وموثقة.
وفي إطار اهتمامنا بتنمية الوعي بتراثنا الوطني لدى الأطفال واليافعين، أطلقت الوزارة عددًا من المبادرات التفاعلية، من أبرزها "معرض النالية"، الذي يقدّم تجربة تعليمية مبتكرة عبر محطات تفاعلية تُعرّف الطلبة بعناصر الهوية الإماراتية، وتسهم في غرس القيم الثقافية في نفوسهم بأساليب معاصرة وجاذبة.
أما فئة الشباب، فتحظى باهتمام خاص من خلال برامج نوعية مثل "البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع"، الذي يخصص مسارات لدعم المشاريع المرتبطة بالتراث، إلى جانب منح بحثية تركز على دراسة العمارة التراثية وتوثيقها، بما يسهم في إعداد جيل من الباحثين والمبدعين القادرين على تطوير هذا القطاع الحيوي واستثماره.
ولا يغيب دور كبار المواطنين عن هذا المشهد، إذ تحرص الوزارة على دعمهم بوصفهم حَمَلة الذاكرة الثقافية، من خلال برامج تهتم بالحفاظ على الحرف اليدوية التقليدية ونقل مهاراتها إلى الأجيال القادمة، إضافةً إلى تمكينهم من تحويل هذه الحرف إلى منتجات تسهم في تنمية الاقتصاد المحلي وتعزيز الصناعات الإبداعية. كما يتجسد هذا الاهتمام في مبادرات عملية، من بينها "جناح الحرفيين" ضمن "منتدى اصنع في الإمارات"، الذي يوفّر منصة لعرض المنتجات التراثية، وربط الحرفيين بالأسواق، وتعزيز حضورهم محليًا وعالميًا.
إن التراث ليس مجرد ماضٍ نحتفي به، بل مورد استراتيجي نبني عليه مستقبلاً مستدامًا. وستواصل دولة الإمارات جهودها في صون تراثها الثقافي وتعزيز حضوره عالميًا، بوصفه ركيزةً أساسيةً في مسيرتها التنموية، وجسرًا يربط بين الأصالة والابتكار.

تعليق (0)
تم إرسال التعليق !
فشل التعليق !